محمد بن جرير الطبري

312

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

كريب ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك عن ابن عباس ، قال : لما فرض الله جل وعز عليهم يعني على هؤلاء الذين وصف الله أمرهم في كتابه من بني إسرائيل هذا الذي ذكر أنه أخذ ميثاقهم به ، أعرضوا عنه استثقالا وكراهية ، وطلبوا ما خف عليهم إلا قليلا منهم ، وهم الذين استثنى الله فقال : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ يقول : أعرضتم عن طاعتي إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ قال : القليل الذين اخترتهم لطاعتي ، وسيحل عقابي بمن تولى وأعرض عنها ؛ يقول : تركها استخفافا بها . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثنا ابن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير أو عن عكرمة ، عن ابن عباس : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ أي تركتم ذلك كله . وقال بعضهم : عنى الله جل ثناؤه بقوله : وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعنى بسائر الآية أسلافهم ؛ كأنه ذهب إلى أن معنى الكلام : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ ثم تولى سلفكم إلا قليلا منهم ، ولكنه جعل خطابا لبقايا نسلهم على ما ذكرناه فيما مضى قبل . ثم قال : وأنتم يا معشر بقاياهم معرضون أيضا عن الميثاق الذي أخذ عليكم بذلك وتاركوه ترك أوائلكم . وقال آخرون : بل قوله : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ خطاب لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل ، وذم لهم بنقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم في التوراة وتبديلهم أمر الله وركوبهم معاصيه . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ قال أبو جعفر : قوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ في المعنى والإِعراب نظير قوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ . وأما سفك الدم ، فإنه صبه وإراقته . فإن قال قائل : وما معنى قوله : لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وقال : أو كان القوم يقتلون أنفسهم ، ويخرجونها من ديارها ، فنهوا عن ذلك ؟ قيل : ليس الأَمر في ذلك على ما ظننت ، ولكنهم نهوا عن أن يقتل بعضهم بعضا ، فكان في قتل الرجل منهم الرجل قتل نفسه ، إذ كانت ملتهما بمنزلة رجل واحد ، كما قال عليه الصلاة والسلام : " إنما المؤمنون في تراحمهم وتعاطفهم بينهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى بعضه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " . وقد يجوز أن يكون معنى قوله : لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ أي لا يقتل الرجل منكم الرجل منكم ، فيقاد به قصاصا ، فيكون بذلك قاتلا نفسه ؛ لأَنه كان الذي سبب لنفسه ما استحقت به القتل ، فأضيف بذلك إليه قتل ولي المقتول إياه قصاصا بوليه ، كما يقال للرجل يركب فعلا من الأَفعال يستحق به العقوبة فيعاقب العقوبة : أنت جنيت هذا على نفسك . وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ أي لا يقتل بعضكم بعضا ، وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ونفسك يا ابن آدم أهل ملتك . حدثني المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ يقول : لا يقتل بعضكم بعضا وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ يقول : لا يخرج بعضكم بعضا من الديار . حدثني المثنى ، قال : ثنا